QNB

أوروبا تعيد تشكيل شراكاتها التجارية لتحقيق التنويع والنمو والأمن الاقتصادي

نشر يوم : Sun, 01 Nov 2026

على مدى العامين الماضيين، شهدت البيئة الخارجية للاتحاد الأوروبي تدهوراً ملحوظاً، في ظل تراجع موثوقية أكبر شريكين تجاريين له في آن واحد. ففي الولايات المتحدة، دخل الإطار الجديد للتجارة المتبادلة والعادلة والمتوازنة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهو إطار رئيسي لتنظيم التجارة الثنائية بين الجانبين، حيز التنفيذ في 1 يوليو 2026. ويضع هذا الاتفاق سقفاً للرسوم الجمركية عند 15% على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي، مما يفرض حاجزاً هيكلياً أعلى أمام النفاذ إلى أكبر أسواق الصادرات الأوروبية. وفي المقابل، تحولت الصين من مصدر رئيسي للطلب إلى منافس متزايد القوة، إذ بلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع معها 359.8 مليار يورو في عام 2025، بعد انخفاض صادراته إليها بنسبة 6.5% وارتفاع وارداته منها بنسبة 6.4%. واستجابة لذلك، شرعت بروكسل في أوسع عملية لتوسيع شبكتها التجارية منذ عقود. ففي عام 2025 والنصف الأول من عام 2026، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقيات تجارية مع ميركوسور والمكسيك وإندونيسيا والهند وأستراليا، ومن شأن هذه الاتفاقيات مجتمعة أن ترفع حصة تجارته الخارجية المشمولة باتفاقيات التجارة الحرة، أي حصة تجارته مع الدول غير الأعضاء التي تتم مع شركاء تربطهم به اتفاقية تجارة حرة، إلى 53.3%، مقارنة بنسبة 46.3% في نهاية عام 2025. ويمتد هذا التحول الآن بصورة أعمق إلى جنوب شرق آسيا. فقد توصل الاتحاد الأوروبي والفلبين في سبتمبر إلى توافق كبير بشأن اتفاقية للتجارة الحرة، تتضمن تحرير أكثر من 94% من بنود التعرفة الجمركية، بينما تتقدم المفاوضات مع تايلاند وماليزيا، مع استهداف استكمال الاتفاقيات الثلاث بحلول عام 2027. وإلى جانب الاتفاقيات القائمة مع سنغافورة وفيتنام وإندونيسيا، سيتيح ذلك للاتحاد الأوروبي بناء شبكة تجارية تغطي معظم دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وهي إحدى أسرع مناطق العالم نمواً.
من وجهة نظرنا، يمثل التحول في سياسة الاتحاد الأوروبي التجارية استجابة استراتيجية لتغير دائم في بيئة التجارة العالمية، وستتراكم مكاسبه تدريجياً مع دخول الاتفاقيات الجديدة حيز التنفيذ. وفي هذا المقال، نناقش ثلاثة أهداف رئيسية لهذا التحول، وهي: تنويع العلاقات التجارية بعيداً عن الشركاء الرئيسيين الذين أصبحت سياساتهم تتسم بتزايد عدم اليقين، وإيجاد مصادر جديدة للطلب الخارجي وفرص للنمو في ظل فتور الاقتصاد الأوروبي، فضلاً عن تعزيز الأمن الاقتصادي عبر تأمين إمدادات مستقرة وموثوقة من المواد الخام الحيوية.
أولاً، تقلل الاتفاقيات الجديدة من انكشاف الاتحاد الأوروبي على أكبر شريكين تجاريين له، حيث بات من الصعب التنبؤ بسياساتهما. فقد أثرت الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة سلباً على الطلب، إذ انخفضت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة بنسبة 30.4% على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2026. غير أن حدة هذا الانخفاض تعود جزئياً إلى ارتفاع مستويات الصادرات في مطلع عام 2025 بفعل تسريع الشحنات تحسباً للرسوم الجمركية الأمريكية المعلنة. وفي الوقت نفسه، تعيد الصين توجيه الصادرات التي فقدت منفذها إلى السوق الأمريكية نحو أوروبا، إذ نما فائضها التجاري مع الاتحاد الأوروبي بنسبة 24% خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026. لذلك، يمكن أن يشكل إبرام مجموعة أوسع من الاتفاقيات التجارية الجديدة آلية للتأمين، من خلال تنويع مصادر الطلب الخارجي عبر عدد أكبر من الشركاء والحد من التعرض لصدمات السياسات أو مخاطر التركز في سوق واحدة. وتشير الأدلة إلى أن هذا النهج بدأ يؤتي ثماره بالفعل. ففي عام 2025، نمت التجارة المشمولة باتفاقيات التجارة الحرة بنسبة 3.1%، أي بأكثر من ضعف معدل النمو البالغ 1.4% في التجارة مع بقية الدول غير الأعضاء، فيما ارتفعت الصادرات إلى شركاء التجارة الحرة بمقدار 250 مليار يورو. وللمقارنة، فإن هذه الزيادة تفوق بكثير خسارة الصادرات إلى روسيا، والبالغة 54.5 مليار يورو.
QNB
ثانياً، توفر الاتفاقيات الجديدة مصادر للطلب الخارجي في وقت لا يزال فيه النمو في أوروبا فاتراً، فيما تتعرض قاعدتها الصناعية لضغوط في ظل استمرار ضعف أداء قطاع التصنيع. وتُظهر الاتفاقية مع الهند حجم الإمكانات المتاحة، إذ ستُلغى إلى حد كبير الرسوم الجمركية التي تصل إلى 44% على الآلات و22% على المواد الكيميائية، بينما ستنخفض الرسوم على السيارات الأوروبية تدريجياً من 110% إلى 10% ضمن حصة سنوية قدرها 250 ألف سيارة. وهذه هي تحديداً القطاعات التي يفقد فيها المصنّعون الأوروبيون، ولا سيما الألمان، حصصاً لصالح المنافسة الصينية. وبوجه عام، تهدف الاتفاقية إلى مضاعفة صادرات الاتحاد الأوروبي من السلع إلى الهند بحلول عام 2032، بما يوفر نحو 4 مليار يورو سنوياً من الرسوم الجمركية. غير أن المكاسب ستتراكم تدريجياً، إذ يُتوقع بدء تنفيذ الاتفاقية مع الهند في يناير 2027، على أن تُخفَّض الرسوم على مراحل تمتد لعدة سنوات. وتُظهر اتفاقية ميركوسور، المطبقة مؤقتاً منذ مايو 2026، أن الفوائد يمكن أن تبدأ في وقت أبكر، فقد ألغت فوراً الرسوم الجمركية على صادرات رئيسية للاتحاد الأوروبي، مثل السيارات والمستحضرات الصيدلانية، أو خفضتها بصورة جذرية، ومن المتوقع أن ترفع صادرات الاتحاد السنوية إلى دول ميركوسور بنسبة 39% بحلول عام 2040. وتشير المؤشرات الأولية إلى أن التدفقات التجارية تستجيب سريعاً، إذ ارتفعت صادرات الأرجنتين الزراعية والصناعية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 21% خلال الأشهر الأربعة الأولى من تطبيق الاتفاقية، مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث السابقة.
QNB
ثالثاً، أصبحت الاتفاقيات التجارية أداة محورية لتعزيز الأمن الاقتصادي لأوروبا، ولا سيما فيما يتعلق بالمواد الخام الحيوية. ولا يزال الاتحاد الأوروبي شديد الاعتماد على الصين، التي يستورد منها كامل احتياجاته من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة و98% من مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة، وهي مدخلات أساسية لصناعات السيارات والطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية. وتكتسب هذه الهشاشة طابعاً ملحاً، إذ إن تعليق الصين للموجة الثانية من قيودها على الصادرات سينتهي في 10 نوفمبر 2026. وتتيح الاتفاقيات مع الشركاء الغنيين بالموارد قنوات بديلة للإمداد. ويوفر الشركاء الذين يتمتعون بمعاملة تفضيلية بالفعل ربع واردات الاتحاد الأوروبي من المواد الخام الحيوية، فيما ارتفعت الواردات من كندا بنسبة 62% في عام 2025. كما ستسهم الاتفاقية الجديدة مع إندونيسيا، على سبيل المثال، في توسيع نطاق هذه المصادر، وتعزيز الوصول إلى احتياطياتها الضخمة من النيكل والكوبالت والنحاس والقصدير. ولن يؤدي التنويع إلى إنهاء الاعتماد على الصين، التي تسيطر على 90% من عمليات تكرير العناصر الأرضية النادرة عالمياً، لكنه سيحد من تعرض أوروبا للمخاطر ومن مخاطر تركز الإمدادات.
بشكل عام، يمثل التحول في السياسة التجارية الأوروبية استجابة استراتيجية لاقتصاد عالمي يزداد انقساماً ويصعب التنبؤ بمساراته. وتسهم الاتفاقيات الجديدة في تنويع الطلب الخارجي بعيداً عن أكبر شريكين تجاريين لأوروبا، وتفتح آفاقاً للنمو في أسواق ديناميكية مثل الهند وميركوسور ورابطة آسيان، كما تضمن وصولاً أكثر موثوقية إلى المواد الخام الحيوية. ورغم أن المكاسب ستتراكم تدريجياً، فمن شأنها أن تدعم قدرة الاقتصاد الأوروبي على الصمود في المدى المتوسط.

عربي يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English   عربي